عبد الملك الجويني

139

الشامل في أصول الدين

هما المشتركان في جملة صفات النفس . واعلموا أن من سلك من المعتزلة هذه الطريقة ، ونفى كون الأخص علة في اقتضاء التماثل والاختلاف ، وسلكنا الطريقة التي ذكرها القاضي حيث قال : لا يجتمع مختلفان في الأخص ، فلا يبقى للاختلاف مع المعتزلة على هاتين الطريقتين موقع . ويؤول الكلام إلى عبارة محضة . فإنا في حقيقة المثلين نعبر عن جميع صفات النفس ، وهم يعبرون عن الأخص ويزعمون أن التعبير عنه يدل على ما عداه . ويعترفون معنا بنفي التعليل والإيجاب ، فيرتفع التنازع في المعنى ، ويؤول الكلام إلى المناقشة في العبارة ، عند ذكرنا جميع الصفات ، واقتصارهم على ذكر الأخص منها . ومن أقوى ما نستدل به أن نقول : قد ثبت من أصلكم أن الشيء يخالف ما يخالف ، بالوصف الذي يماثل به ما يماثل ، وهذا معتقد القوم ، فلا خفاء به . فإذا ثبت ذلك ، رتبنا عليه غرضنا وقلنا : أنتم لا تخلون إذا سألتم عن القدرة والعلم ، مثلا ، وقيل لكم : هل يخالف العلم القدرة في كونه علما أم لا يخالفها ؟ فإن زعمتم أن العلم يخالف القدرة ، من حيث كان علما ، فيلزمكم على قضية أصلكم أن تقولوا : أن العلم يماثل العلم بكونه علما ، جريا على ما مهدتموه من قولكم : إن الشيء يماثل مماثلة بما يخالف به مخالفه . ويلزم من مقتضى ذلك المصير إلى تماثل كل علمين ، وهذا ما لا سبيل إليه . وإن زعموا أن العلم لا يخالف القدرة ، من حيث كان علما ، فقد خرجوا عن المعقول ، واقتربوا من جحد الضرورة . فإنا نعلم أن كون العلم علما في حكم المخالفة ، ككون ( القدرة قدرة ، كما نعلم أن كون السواد سوادا ، في حكم المخالفة ككون ) البياض بياضا . ولو ساغ لمنكر أن ينكر حكم الاختلاف في كون ( العلم علما وكون القدرة قدرة ، ساغ لآخر أن ينكر حكم الاختلاف في كون ) السواد سوادا وكون البياض بياضا ، وليس أحد القائلين بأسعد من الثاني . والذي يوضح ما قلناه : أنه ليس بين حكم الاختلاف وبين حكم التماثل رتبة ، فإذا لم يكن كون العلم علما في حكم المخالفة ككون القدرة قدرة ، فينبغي أن يكون في حكم المماثلة له ، ليكون كونه علما مع كون القدرة قدرة ، بمثابة اجتماعهما في كونها عرضين ، موجودين ، حادثين ، فهذا معلوم بطلانه بضرورة العقل . فاستبان بطلان مذهبهم من كل وجه ، وانسد [ ت ] عليهم مسالك الانفصال . ومما يرد عليهم معتقدهم أن نقول : قد زعمتم أن المجتمعين في الأخص ، يجب اجتماعهما في سائر الصفات . ونحن نريكم من مناقضاتكم ، ما يخالف ذلك وينقضه . وذلك أنكم زعمتم أن الجوهر المعدوم ، مثل للجوهر الموجود ، وقد اختلفا . إذ الجوهر الموجود يجب له التحيز ، ويستحيل ذلك على المعدوم . وكذلك الموجود يقبل الاعراض ، بخلاف